ابن أبي الحديد
86
شرح نهج البلاغة
فتقطعها ، فإن وجدت بها جندا فأغر عليهم ، وإلا فامض حتى تغير على الأنبار ، فإن لم تجد بها جندا فامض حتى توغل في المدائن . ثم أقبل إلي واتق أن تقرب الكوفة . واعلم أنك إن أغرت على أهل الأنبار وأهل المدائن فكأنك أغرت على الكوفة . إن هذه الغارات يا سفيان على أهل العراق ترعب قلوبهم ، وتفرح كل من له فينا هوى منهم ، وتدعو إلينا كل من خاف الدوائر ، فاقتل من لقيته ممن ليس هو على مثل رأيك ، وأخرب كل ما مررت به من القرى ، واحرب الأموال ، فإن حرب الأموال شبيه بالقتل ، وهو أوجع للقلب . قال : فخرجت من عنده فعسكرت ، وقام معاوية في الناس فخطبهم ، فقال : أيها الناس ، انتدبوا ( 1 ) مع سفيان بن عوف ، فإنه وجه عظيم فيه أجر ، سريعة فيه أوبتكم إن شاء الله . ثم نزل . قال : فوالذي لا إله غيره ما مرت ثالثة حتى خرجت في ستة آلاف ، ثم لزمت شاطئ الفرات ، فأغذذت السير حتى أمر بهيت ، فبلغهم أني قد غشيتهم فقطعوا الفرات فمررت بها وما بها عريب ، ( 2 ) كأنها لم تحلل قط ، فوطئتها حتى أمر بصندوداء ( 3 ) ، ففروا فلم ألق بها أحدا ، فأمضي حتى أفتتح الأنبار ، وقد نذروا بي ، فخرج صاحب المسلحة إلي ، فوقف لي فلم أقدم عليه حتى أخذت غلمانا من أهل القرية ، فقلت لهم : أخبروني ، كم بالأنبار من أصحاب علي ع ؟ قالوا : عدة رجال المسلحة خمسمائة ، ولكنهم قد تبددوا ورجعوا إلى الكوفة ، ولا ندري الذي يكون فيها ، قد يكون مائتي رجل ، فنزلت فكتبت أصحابي كتائب ، ثم أخذت أبعثهم إليه كتيبة بعد كتيبة ، فيقاتلهم والله ويصبر لهم ، ويطاردهم ويطاردونه في الأزقة ، فلما رأيت ذلك أنزلت إليهم نحوا من مائتين ،
--> ( 1 ) انتدبوا : خفوا للقتال . ( 2 ) عريب : أحد . ( 3 ) صندوداء : قرية كانت في غربي الفرات فوق الأنبار .